الكتاب الأسود هو هدية مسمومة للمسار الديمقراطي

في 5 ديسمبر 2013 – و للسنة الثانية على التوالي ، قررت مقاطعة الاحتفال الرسمي بذكرى اغتيال جدي ، فرحات حشاد. في السنة الماضية، كان القرار جماعيا، اتخذته عائلتي على اثر الاعتداءات التي ارتكبتها رابطات حماية الثورة أمام الضريح.

أما هذه السنة، كان القرار شخصيا، فأنا لا أرغب أن أستقبل في الضريح رئيس جمهورية اختار استغلال  أرشيف قرطاج لصالحه و لصالح حزبه  بدلا من إنشاء لجنة محايدة ومستقلة تتولى البحث فيه وتحليله و خرق بهذه المبادرة قوانين الجمهورية التي من المفترض أنه يمثلها.

يحز في نفسي مثل هذا التصرف لأنني أناضل منذ سنتين ونصف من أجل فتح أرشيف الدكتاتورية من خلال وضع تشريع خاص يقوم بتشريك المجتمع المدني، و من خلال إنشاء هيئة محايدة ومستقلة.

أعتقد، و بدون غرور، أنني من أكثر الناس الذين اشتغلوا حول أرشيف الدكتاتورية في تونس. فقد نظمت عددا هاما من الأنشطة حول هذا الموضوع :  مؤتمرات وحلقات تدريب وجولة دراسية وفيلم وثائقي ومشاورات مع المؤسسات العمومية كما قمت بأبحاث طيلة سنتين قمت خلالها بالعديد من المقابلات مع شخصيات تونسية و أجنبية.

كما انني حاليا بصدد إتمام كتاب كامل حول هذا الموضوع. هذا الكتاب هو ثمرة عمل جماعي سيقدم السياق التونسي القانوني والسياسي و التاريخي ، كما سيعرض التجارب الدولية  في مجال معالجة أرشيف الديكتاتورية وسيقدم مقترحات لمحاور الإصلاحات في تونس. محاور الإصلاحات هذه هي نتيجة لجملة من المشاورات قمنا بها مع المؤسسات العمومية (بما في ذلك وزارة الداخلية ، ووزارة حقوق الإنسان ووزارة العدل) والمجتمع المدني.

  حافظت دائما على حيادي أمام المزايدات السياسية  لجميع الأطراف. واخترت عدم ممارسة السياسة بالرغم من الدعوات التي وجهت إلي من العديد من الأحزاب لأنظم إليهم.

يعود هذا الاختيار إلى مبدأ بسيط : أريد أن أشارك في بناء بلدي من خلال رؤية  على  المدى الطويل و من خلال مقترحات ملموسة، بعيدا عن الحسابات الضيقة ، والتي غالبا ما تكون نرجسية و تخضع للأنانية.

كما يعود أيضاً إلى فكرة بسيطة: إن بعض الموضوعات على غاية من الخطورة و لا يمكن أن تكون محور مزايدات و مراوغات سياسية. 

ركزت جهودي منذ البداية حول مسألة أعتبرها ضرورية لإنجاح الانتقال الديمقراطي و هي : « البوليس السياسي » و أرشيفه. كان من الواضح بالنسبة إلي أنه لا يمكن بناء نظام ديمقراطي دون الانتقال من منظومة « البوليس السياسي » إلى أمن جمهوري و من دون معالجة مسألة الأرشيف بطريقة متكاملة. ويرجع أول مقال كتبته حول هذا الموضوع إلى ربيع سنة 2011 .

و الآن ، في بداية ديسمبر 2013، منصف المرزوقي ، رئيس الجمهورية التونسية الذي طالما ما  أعجبت به عندما كنت طالبة في باريس و تأثرت ببعض خطاباته في بداية ولايته الرئاسية، منصف المرزوقي الذي اتخذ بنفسه موقفا لفائدة إطار قانوني خاص بأرشيف الدكتاتورية ، ينشر الكتاب الأسود الذي يتخلى به عن المواقف التي كان يتبناها .

والأمر من ذلك أنه تمت كتابة كتابه الأسود هذا من قبل مصالح رئاسته، ومن قبل رجاله وأتباعه.

يذكر الكتاب الأسود أسماءا ، بما في ذلك إسم السكريتيرة البسيطة التي اشتغلت في الوكالة التونسية للاتصال الخارجي. كتابه الأسود يذكر أيضا أشخاصا ذو مصداقية، كتبوا مقالات ضد نظام زين العابدين بن علي، جنبا لجنب مع أسماء أكثر الأشخاص فسادا.

 :عندما نواجه مسألة كتابه الأسود، علينا أن نطرح على أنفسنا الأسئلة التالية

  من كان لهم الحق في الإطلاع على هذا الأرشيف ؟ كيف تم اختيارهم ؟ على أي أساس وأي معايير؟ لماذا تم اختيارهم دون غيرهم؟

 لماذا تتمتع رئاسة الجمهورية (وهي هيئة غير محايدة سياسيا) بالحق في نشر معلومات من المفروض أنها غير علنية ولماذا لم يتم تشكيل لجنة محايدة ومستقلة ؟

هل أن العدالة الانتقالية تتمثل في نشر قوائم إسمية ؟ كيف يتم إعداد هذه القوائم ؟ على أي أساس و حسب أي معايير؟ وما الذي يضمن أن المؤلفين لم  يستبعدوا أصدقائهم من القائمة و لم يدرجوا أسماء أعدائهم فيها ؟

 كتابه الأسود هو هدية مسمومة للمسار الديمقراطي. فالتسائلات التي أثارها تمثل هدية لأكثر الأشخاص فسادا من النظام السابق، فقد قدمت لهم فرصة ذهبية إلى الظهور بموقع الضحية. بل هي أيضا هدية لفاقدي الضوابط الأخلاقية من الحزب الرئاسي  الحالي،  وتعطيهم فرصة للانتقام من أعدائهم السياسيين بأقل الأثما.

 أنا من الذين بدأوا يفقدون الأمل في العدالة الانتقالية و يشعرون بالصدمة ، يوما بعد يوم ، أمام السلوك المشين لبعض وسائل الإعلام الذين ينشرون الشائعات و يشوهون أبسط الكلام و أوضحه. لقد كنت بنفسي ضحية ذلك وإذا امتثلت إلى غرائزي الدنيئة لانشرحت لصدور كتاب أأسود يشهر بوسائل الإعلام التي تقوض الانتقال الديمقراطي.

 ومع ذلك، ليس من المقبول أن ترد مؤسسات الدولة على سلوك مشين بسلوك أسوأ منه. رئاسة الجمهورية هي مؤسسة من مؤسسات الدولة، نابعة عن إطار قانوني و هو إطار الجمهورية ومن واجبها احترم قوانينها.

 أمام تعطل مسار العدالة الانتقالية كان بإمكان رئاسة الجمهورية أن تبادر بالدفع لانفراج: وضع إجراءات لضمان حياد معالجة أرشيف قرطاج. ولكن اختار منصف المرزوقي وفريقه إجراءا آخر يمس بدولة القانون.

 و التدمير هو دائما أسهل من للبناء.

 الكتب السوداء و القوائم السوداء ليست اختراعا تونسيا أو من اختراع منصف المرزوقي . بلدان أخرى شهدت ذلك ومن قاموا بذلك ظلوا في تاريخ بلادهم كرموز للتلاعب السياسي و الحزبي. وبهداياهم المسمومة هذه، تسببوا في تأخير العدالة الانتقالية لتعزيز طموحاتهم السياسية.

فرح حشاد – 5 ديسمبر 2013

Traduction arabe de l’article en langue française publié sur la page Facebook de Farah Hached le 5 décembre 2013: https://www.facebook.com/farah.hached/posts/471491026301279

Advertisements

Laisser un commentaire

Choisissez une méthode de connexion pour poster votre commentaire:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s